عبد الشافى محمد عبد اللطيف
145
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
ومحيصة بن مسعود بن زيد خرجا حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما هنالك ، ثم إذا محيصة يجد عبد اللّه مقتولا ، فدفنه ، ثم أقبل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو وحويصة ابن مسعود وعبد الرحمن بن سهل . . . فذكروا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مقتل عبد اللّه بن سهل فقال لهم : « أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون صاحبكم ، أو قاتلكم ؟ » ، قالوا : كيف نحلف ولم نشهد ؟ قال : « فتبرؤكم يهود بخمسين يمينا » ، قالوا : كيف نقبل إيمان قوم كفار ؟ فلما رأى ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عقله « 1 » . أي : دفع لهم ديته . كذلك كان يقضي صلّى اللّه عليه وسلم بين اليهود أنفسهم ، ومن صور قضائه بينهم ما ثبت في الصحيحين أن اليهود جاؤوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فذكروا له أن رجلا وامرأة زنيا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ » قالوا : نفضحهم ويجلدون ، فقال عبد اللّه بن سلام : كذبتم ، إن فيها الرجم ، فأمروا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد اللّه بن سلام : ارفع يدك ، فإذا فيها آية الرجم ، فقالوا : صدق يا محمد أن فيها الرجم ، فأمر بهما صلّى اللّه عليه وسلم فرجما « 2 » . وكانت في بعض الأحيان ترفع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قضايا قضى فيها بعض الولاة أو القضاة ولم يعجب الناس حكمهم ، فقد ذكر الإمام أحمد والبزار وغيرهما أن قوما احتفروا بئرا باليمن ، فسقط فيها رجل فتعلق باخر والثاني بالثالث والرابع فسقطوا جميعا فماتوا ، فارتفع أولياؤهم إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، فقال : اجمعوا من حفر البئر من الناس ، فقضى للأول بربع الدية ؛ لأنه هلك فوقه ثلاثة ، والثاني بثلثها ؛ لأنه هلك فوقه اثنان ، والثالث بنصفها ؛ لأنه هلك فوقه واحد ، وللرابع بالدية تامة ، فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم العام القابل ، فقصوا عليه القصة ، فقال : « هو ما قضى بينكم » « 3 » . * هيئة الحكومة النبوية : كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يقوم بمهمة الحكم إلى جانب قيامه بتبليغ وأعباء الرسالة ، لذلك كان لا بد أن يكون هناك من يعاونه في أمر الحكم ؛ لأن مشاكل الدولة - في دور تأسيسها - كثيرة ، وقضايا الناس ومصالحهم لا تقف عند حد ، فاقتضت
--> ( 1 ) صحيح مسلم بشرح النووي ( 11 / 146 ، 147 ) المطبعة المصرية ومكتبها . القاهرة بدون تاريخ ، وابن القيم زاد المعاد في هدي خير العباد ( 3 / 200 ، 201 ) لم يذكر مكان الطبع ولا التاريخ . ( 2 ) زاد المعاد ( 3 / 207 ) . ( 3 ) المصدر السابق ( 3 / 201 ) .